بهاء الدين الجندي اليمني

158

السلوك في طبقات العلماء والملوك

وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم * فخير تجارات الكرام اكتسابها ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها ولم أرها إلا غرورا وباطلا * كما لاح في ظهر الفلاة سرابها وما هي إلّا جيفة مستحيلة * عليها كلاب همّهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها * وإن تجتذبها نازعتك كلابها فطوبى لنفسي أوطنت قعر دارها * مغلّقة الأبواب مرخى حجابها وللزمخشري كتاب ذكر فيه أنه قيل للشافعي في صبيحة كيف أصبحت ؟ قال : ما حال من أصبح يطلبه ثمانية : الرّب بكتابه ، والنبي بسنّته وأهل بيته بالقوت ، والنفس بالشهوات والشيطان بالمعاصي ، وملك الموت بقبض الروح ، والحفظة بما ينطق والدهر بصروفه ؟ وذكر صاحب الأربعين الطائية بإسناده إلى المزني « 1 » قال دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف أصبحت يا أبا عبد اللّه ؟ قال : أصبحت من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ولسوء أفعالي ملاقيا ولكأس المنية شاربا وعلى اللّه عزّ وجل واردا ، فو اللّه ما أدري أروحي إلى الجنة تصير فأهنيها أم إلى النار فأعزّيها ، ثم بكى وأنشد شعرا : ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت رجائي نحو عفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربّي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود بعفو منّة ، وتكرّما فلولاك لم يغو بإبليس عالم * فكيف وقد أغوى صفيّك آدما وكانت وفاته بمصر ليلة الجمعة بعد أن صلّى العشاء آخر ليلة من رجب سنة أربع ومائتين ودفن يوم الجمعة بعد العصر بعد أن دخلت جنازته على الست نفيسة فصلت عليه بنفسها ، وإنما أخّر دفنه لأنه أوصى أن لا يدفن حتى تبرأ ذمته من الدين الذي عليه ففعل ذلك به ولم يدخل قبره وعليه درهم يعلم . وحكي في « صفة الصفوة » عن الربيع بن سليمان أنه قال : كنا جلوسا في حلقة الشافعي قريب دفنه « 2 » فوقف بنا أعرابي وسلم ثم قال : أين قمر هذه الحلقة بل

--> ( 1 ) لا أعرف مؤلف الأربعين الطائية ، والمزني تأتي ترجمته . ( 2 ) عبارة صفة الصفوة ج 2 ص 259 قال : كنا جلوسا في حلقة الشافعي بعد موته بيسير .